مؤتمر دولي بالعروي يبحث زوايا المملكة المغربية الشريفة نموذجاً للتكافل والتنمية المستدامة

مراسلة

مؤتمر دولي بالعروي يبحث زوايا المملكة المغربية الشريفة نموذجاً للتكافل والتنمية المستدامة

نخبة من الأكاديميين والباحثين تناقش الاقتصاد الأخلاقي، حماية البيئة، التكافل، التنمية، الرقمنة ومواجهة الأزمات

العروي – المملكة المغربية

في أجواء علمية وروحية، احتضنت الزاوية الكركرية بمدينة العروي فعاليات مؤتمر علمي وفكري دولي، وذلك ضمن برنامج الأسبوع الدولي الثامن للتصوف المنظم احتفاءً بالمولد النبوي الشريف 1448هـ/2026م، تحت إشراف شيخ الطريقة الكركرية سيدي محمد فوزي الكركري.

وحمل المؤتمر عنوان:

«زوايا المملكة المغربية الشريفة نموذجاً للتكافل والتنمية المستدامة»

وذلك في إطار شعار الأسبوع الدولي الثامن للتصوف:

«الهدي الإحساني لبناء لبنات الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي»

وجمع اللقاء نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والأكاديميين والأطباء والمختصين من مؤسسات وجامعات مختلفة، في مقاربة متعددة التخصصات سعت إلى إعادة قراءة الدور التاريخي والاجتماعي للزوايا المغربية، واستشراف إمكانات تجديد هذا الدور في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والرقمية التي يشهدها العالم.

ويأتي تنظيم المؤتمر انطلاقاً من رؤية تعتبر أن التصوف لا ينفصل عن قضايا الإنسان والمجتمع، وأن التربية الروحية يمكن أن تتحول إلى قيم عملية في التكافل والتنمية وحماية البيئة وخدمة الإنسان ومواجهة الأزمات.

الاقتصاد من منظور أخلاقي وعرفاني

وافتتحت الجلسات العلمية بمداخلة الدكتور رامي قوجة، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق بجامعة هارفارد والمتخصص في علوم الشريعة، تحت عنوان:

«تأصيل أخلاقي لعلوم الاقتصاد وحماية البيئة من منظور عرفاني».

واستندت المداخلة إلى قراءة في فكر الإمام أبي حامد الغزالي، من أجل إبراز تصور يجعل الكون منظومة متكاملة تقوم على الحكمة والرحمة والوظائف المتبادلة.

كما تناول الدكتور قوجة مفهوم المال ووظيفته، موضحاً أن المال لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في ذاته، وإنما يؤدي وظيفة في خدمة الإنسان والمجتمع، مستحضراً صورة الشجرة التي تمنح ثمرها وظلها ونفعها دون أن تحتكر ما لديها.

وفتحت المداخلة بذلك نقاشاً حول الحاجة إلى تأصيل أخلاقي للعلوم الاقتصادية، وربط التنمية بالمسؤولية، وإعادة النظر في علاقة الإنسان بالمال والموارد والبيئة من منظور يتجاوز الحسابات المادية إلى منظومة القيم.

الزوايا المغربية.. تاريخ من التكافل والإغاثة

وفي المحور المتعلق بالدور الاجتماعي والتضامني للزوايا، قدم الدكتور عبد الحكيم طاحونا، الطبيب الاختصاصي، مداخلة بعنوان:

«المملكة المغربية الشريفة والدور الاجتماعي والتضامني للزوايا».

واستعرض الدكتور طاحونا نماذج من الحضور التاريخي للزاوية المغربية، التي اضطلعت بأدوار متعددة في إطعام الطعام، وإغاثة المحتاج، والإيواء، والتعليم والرعاية الاجتماعية، لتشكل في مراحل مختلفة من التاريخ شبكة أمان اجتماعي للمجتمع المغربي.

كما ربط المداخلة بين هذا الإرث التاريخي والمبادرات المعاصرة، مستحضراً عدداً من الأعمال الميدانية للزاوية الكركرية، من بينها قوافل الإغاثة لفائدة المتضررين من زلزال الحوز، وحملات التبرع بالدم، ومشاريع حفر الآبار داخل المغرب وخارجه.

وبذلك قدمت المداخلة نموذجاً لاستمرار قيمة التكافل من الماضي إلى الحاضر، باعتبارها إحدى صور تحويل التربية الروحية إلى خدمة عملية للإنسان.

ويؤكد برنامج المؤتمر أن الزوايا المغربية لم تكن مجرد أماكن للذكر والعبادة، وإنما اضطلعت تاريخياً بأدوار في التعليم والإيواء والإطعام وإغاثة المحتاج، وترسيخ قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع.

الزكاة والصدقات.. من العطاء الفردي إلى الاستقرار المجتمعي

وانتقل المؤتمر في محوره الثاني إلى موضوع «الزكاة والصدقات كآليات للتكافل في الزوايا»، من خلال مداخلة الأستاذ حميد الزبدي، الباحث في الدراسات الإسلامية.

وتناول الأستاذ الزبدي الأبعاد التربوية والسلوكية للإنفاق في سبيل الله، موضحاً أن الزكاة والصدقة لا تختزلان في مجرد انتقال المال من شخص إلى آخر، وإنما تحملان أبعاداً تتصل بتطهير النفس من الشح، وترسيخ الأخوة، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية.

كما استحضر النموذج النبوي في رعاية أهل الصفة، مبرزاً كيف يمكن للعطاء أن يتحول إلى رابطة إنسانية تساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا التصور، يصبح التكافل أكثر من مساعدة عابرة؛ فهو ممارسة تربوية واجتماعية تسهم في بناء مجتمع يشعر فيه القادر بمسؤوليته تجاه المحتاج، ويحفظ للإنسان كرامته ومكانته.

الدكتور خالد سالم.. نحو نموذج جديد للزاوية في التنمية

وفي محور «آفاق تجديد دور الزوايا في التنمية المعاصرة»، قدم الدكتور خالد سالم، استشاري الطب والأستاذ المساعد بجامعة أونتاريو بكندا، رؤيته حول سبل تطوير أدوار الزوايا ومواكبتها لمتطلبات العصر.

وركز الدكتور سالم على ثلاثة أبعاد أساسية للتنمية داخل الزاوية:

التنمية الروحية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية العلمية.

وأكد أن تجديد الدور لا يعني التخلي عن الأصالة، وإنما تطوير الوسائل التي تمكن المؤسسة الروحية من أداء رسالتها في واقع متغير.

وفي هذا السياق، طرح جملة من المجالات التي يمكن للزاوية أن تنخرط فيها، من بينها إنشاء مراكز الدراسات، وإصدار المجلات العلمية المحكمة، والاهتمام بالصحة النفسية، والاستفادة من التحول الرقمي، بما يوسع من حضور الزاوية في المجالات العلمية والاجتماعية ويجعلها أكثر قدرة على خدمة المجتمع.

وتنسجم هذه الرؤية مع سؤال محوري طرحه المؤتمر: كيف يمكن للزاوية أن تستعيد روح رسالتها في عالم اليوم دون أن تفقد أصالتها؟

عبد الحفيظ الرباطي.. التجديد وحسن تدبير الموارد

وضمن محور «التجديد المطلوب في نظام الزوايا لمواجهة التحديات المعاصرة»، قدم الأستاذ عبد الحفيظ الرباطي، الباحث في تاريخ التصوف، مقاربة حول مفهوم التجديد وضرورته.

وطرح الرباطي تصوراً يقوم على مستويين متكاملين: مستوى باطني يرتبط بتربية الإنسان وترشيد الاستهلاك وصناعة الوعي والمسؤولية، ومستوى ظاهري يتصل بالحكامة وحسن إدارة الموارد والاستفادة من الوسائل الحديثة والرقمنة.

وبذلك لا يصبح التجديد قطيعة مع الماضي، وإنما تطويراً للوسائل بما يسمح للزاوية بمواصلة رسالتها في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية وإنسانية جديدة.

ووفق التصور الذي قدمه المؤتمر، فإن الثابت هو تزكية الإنسان وإصلاح الحياة، بينما يمكن أن تتطور الوسائل والأساليب بحسب حاجات كل عصر.

الدكتور يوسف كازويت.. ذاكرة الزوايا في مواجهة الأزمات

واختتمت المداخلات العلمية بمشاركة الدكتور يوسف كازويت، الأستاذ الباحث بجامعة شيكاغو، الذي تناول موضوع:

«دور المؤسسات الدينية والزوايا في مواجهة الأزمات».

واستعاد الدكتور كازويت نماذج من التاريخ المغربي أظهرت حضور الزوايا في مواجهة الأزمات والجوائح والاستعمار، مستحضراً نماذج تاريخية من بينها شبكة زوايا الشيخ أبي محمد صالح الماجري ودور الإمام الجزولي.

ومن خلال هذه القراءة التاريخية، أبرز أن الزوايا لم تكن مؤسسات منعزلة عن محيطها، وإنما شاركت في مواجهة المحن والظروف الاستثنائية، وأدت أدواراً دينية واجتماعية وإنسانية.

وانتقل الدكتور كازويت من الماضي إلى الحاضر، متوقفاً عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وما يرافقها من أسئلة مرتبطة بالإنسان والمعنى والوعي، مؤكداً أهمية التربية الروحية في حماية الإنسان من التحول إلى مجرد مستهلك للمعلومة والتقنية، والحفاظ على عمقه الإنساني والروحي.

ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية المؤتمر التي تعتبر أن مواجهة الأزمات ليست شأناً اقتصادياً أو اجتماعياً فحسب، وإنما هي أيضاً اختبار لأخلاق المجتمع وقدرته على تحويل الإيمان والإحسان إلى أفعال ومبادرات تحفظ كرامة الإنسان وتماسك المجتمع.

من الذاكرة التاريخية إلى التنمية المستدامة

وتكشف مختلف المداخلات أن المؤتمر لم يكتف باستحضار الدور التاريخي للزوايا المغربية، وإنما حاول الانتقال من سؤال «ماذا قدمت الزوايا في الماضي؟» إلى سؤال أكثر راهنية:

كيف يمكن استثمار هذا الرصيد الروحي والاجتماعي في بناء نموذج معاصر للتكافل والتنمية المستدامة؟

فقد التقت المداخلات حول مجموعة من القضايا المتكاملة: الأخلاق الاقتصادية، حماية البيئة، الزكاة والصدقات، الإغاثة، التنمية الاجتماعية، البحث العلمي، الصحة النفسية، الرقمنة، الحكامة، ومواجهة الأزمات.

وهو تنوع يعكس طبيعة المؤتمر الذي جعل من الزاوية موضوعاً للبحث ليس باعتبارها مؤسسة من الماضي، وإنما باعتبارها تجربة يمكن إعادة قراءة أدوارها في ضوء حاجات الإنسان المعاصر.

كما يعكس اختيار عنوان المؤتمر:

«زوايا المملكة المغربية الشريفة نموذجاً للتكافل والتنمية المستدامة»

رغبة في إبراز التجربة المغربية في التكافل، وربطها بمفهوم التنمية المستدامة، فيما يمنح شعار الأسبوع:

«الهدي الإحساني لبناء لبنات الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي»

الإطار القيمي العام لمختلف هذه النقاشات.

الإحسان.. من قيمة روحية إلى مسؤولية اجتماعية

وفي خلاصة النقاش، برز مفهوم الإحسان باعتباره نقطة التقاء بين مختلف المداخلات؛ فالإحسان لا يقتصر على علاقة الإنسان بربه، وإنما يمتد إلى علاقته بالإنسان والمجتمع والمال والبيئة.

ومن الاقتصاد الأخلاقي إلى التكافل، ومن حماية البيئة إلى التنمية، ومن الإغاثة إلى مواجهة الأزمات، يظهر الإحسان باعتباره قيمة قادرة على الانتقال من المعنى الروحي إلى الممارسة الاجتماعية.

وهو ما ينسجم مع الرؤية التي يؤطر بها الأسبوع الدولي الثامن للتصوف، والتي تجعل من التصوف جسراً بين صفاء الروح وصلاح المجتمع، وبين الذكر والعطاء، وبين العبادة وإعمار الأرض.

مؤتمر يجمع الجامعة والتصوف وأسئلة العصر

ويكتسب المؤتمر أهميته كذلك من طبيعة المشاركين فيه، حيث التقت الجامعة والبحث العلمي والتخصصات الطبية والدراسات الإسلامية والتاريخ والفكر والتصوف حول موضوع واحد هو الإنسان ومصلحته ومستقبل المجتمع.

فمن جامعة هارفارد إلى جامعة شيكاغو، ومن البحث في علوم الشريعة والاقتصاد والبيئة إلى الطب والدراسات الإسلامية والتاريخ، قدم المشاركون مقاربات مختلفة، لكنها التقت عند ضرورة استثمار القيم والمعرفة في خدمة الإنسان.

وهكذا يتحول المؤتمر إلى مساحة للحوار بين الموروث الروحي المغربي والمعرفة الأكاديمية المعاصرة، وبين التجربة التاريخية للزوايا والتحديات التي يفرضها المستقبل.

السماع والمديح.. حضور الروح إلى جانب العلم

ولم تخل أعمال المؤتمر من البعد الروحي الذي يميز فعاليات الأسبوع الدولي للتصوف، حيث تخللت الجلسات العلمية فواصل من السماع والمديح النبوي، في أجواء جمعت بين المعرفة والتأمل واستحضار السيرة النبوية الشريفة.

واختتمت أشغال اللقاء بالدعاء الصالح بالحفظ والتمكين لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ولسائر الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء بالأمن والسلام والاستقرار.

وبذلك شكل المؤتمر محطة علمية وفكرية ضمن فعاليات الأسبوع الدولي الثامن للتصوف، سعت إلى إبراز التجربة المغربية للزوايا في التكافل، واستشراف إمكانات تجديد أدوارها في التنمية المستدامة والاقتصاد الأخلاقي وحماية البيئة والبحث العلمي ومواجهة الأزمات.

وفي جوهر هذا النقاش، يبرز تصور يجعل من الزاوية فضاءً يتكامل فيه الذكر مع العمل، والعلم مع التربية، والإحسان مع المسؤولية، وتزكية الإنسان مع إعمار الأرض؛ بما يفتح أمام التجربة الصوفية المغربية آفاقاً جديدة للحضور في قضايا الإنسان والمجتمع.

الأسبوع الدولي الثامن للتصوف

احتفاءً بالمولد النبوي الشريف 1448هـ/2026م

الزاوية الكركرية – العروي

«الهدي الإحساني لبناء لبنات الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي»

إقرأ أيضا

Add your first comment to this post

أخبار ذات صلة >