ظلمه أهله وأنصفه الأجنبي.. مصطفى المنصوري ابن العروي يواجه ذاكرة 2015 واليوم يعود خطاب «ابن مدينتنا» فمن يحق له إعطاء الدروس؟
«ظلمه أهله، وأنصفه الأجنبي».. عبارة قد تختزل جانباً من المسار السياسي للدكتور مصطفى المنصوري، ابن مدينة العروي، الرجل الذي خرج من هذه المدينة ليصل إلى مواقع المسؤولية الوطنية، من الوزارة إلى رئاسة مجلس النواب، ثم إلى تمثيل المملكة المغربية سفيراً لدى المملكة العربية السعودية.
واليوم، ومع عودة البعض إلى مخاطبة ساكنة العروي بشعار «ابن مدينتنا»، يصبح من حق الذاكرة المحلية أن تطرح سؤالاً واضحاً: أين كان هذا الشعار عندما كان مصطفى المنصوري، ابن العروي، في قلب المواجهة السياسية؟ ومن يملك اليوم الحق في إعطاء دروس للساكنة في مساندة ابن المدينة؟
«وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».. صدق الله العظيم.
فالسياسة قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، لكن التاريخ لا يُمحى.
والعودة إلى سنة 2015 ليست بهدف إحياء الخصومات، وإنما لطرح أسئلة مشروعة حول تناقض بعض الخطابات. ففي تلك المرحلة عاش مصطفى المنصوري واحدة من أصعب محطات مساره السياسي المحلي، ووجد نفسه في مواجهة خصوم داخل مدينته، رغم أنه كان واحداً من أبرز أبنائها وأكثرهم وصولاً إلى مواقع المسؤولية الوطنية.
فإذا كان معيار اليوم هو «ابن مدينتنا»، فلماذا لم يكن مصطفى المنصوري يستحق المعيار نفسه آنذاك؟
ألم يكن هو أيضاً ابن العروي؟
ألم يكن الرجل الذي حمل اسم المدينة معه إلى البرلمان والحكومة ورئاسة مجلس النواب؟
وكيف يمكن لمن وقف بالأمس في الجهة المقابلة لابن المدينة أن يعود اليوم ليطالب الناس بالتصويت بمنطق «ولد المدينة» وكأن ذاكرة العروي بدأت اليوم؟
ويتذكر متابعون للشأن المحلي أجواء التوتر السياسي التي رافقت نهاية مرحلة المنصوري على رأس الجماعة سنة 2015، وما صاحبها من احتجاجات وشعارات تطالبه بالرحيل. وبغض النظر عن مشروعية الاختلاف السياسي، فإن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل كان الاختلاف يحتاج إلى الإهانة والسب والتشفي؟ وهل هذه هي الروح الرياضية التي نطالب بها الآخرين اليوم؟
فالمنصوري، رغم خسارته موقعه في تلك المرحلة، غادر المشهد المحلي مرفوع الرأس، متقبلاً النتيجة السياسية، ولم تمح تلك اللحظة تاريخه ولا مساره.
بل إن السنوات التي أعقبت 2015 أتاحت فرصة أكبر للحكم على الرجال بعيداً عن حرارة الحملات الانتخابية.
مصطفى المنصوري لم يكن مجرد رئيس لجماعة العروي. مساره الرسمي يوثق توليه مسؤوليات محلية وإقليمية وجهوية وبرلمانية وحكومية، قبل انتخابه رئيساً لمجلس النواب وتوليه رئاسة التجمع الوطني للأحرار، ثم تعيينه سنة 2018 سفيراً للمملكة المغربية لدى المملكة العربية السعودية.
من كانت له العلاقات؟ من كانت له المكانة؟ من كان قادراً على الوصول إلى المؤسسات ومراكز القرار؟ ومن بنى خطابه على الكفاءة والعلاقات والتجربة، ومن لجأ إلى استثمار العاطفة والانتماء المحلي والقبلي عندما احتاج إليهما انتخابياً؟
هذه أسئلة يجيب عنها التاريخ قبل أن تجيب عنها الحملات.
أما ما يروى عن البحث في أرشيف المرحلة السابقة داخل الجماعة ومحاولة العثور على ملفات يمكن استعمالها ضد المنصوري، فهي ادعاءات سياسية تحتاج إلى توثيق مستقل قبل تقديمها كوقائع ثابتة. لكن المؤكد أن الرجل واصل بعد تلك المرحلة مساره في مؤسسات الدولة، وانتهى به الأمر ممثلاً للمملكة المغربية في منصب دبلوماسي رفيع.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: في الوقت الذي دخل فيه ابن العروي في صراعات قاسية داخل مدينته، واصل المغرب منحه مسؤوليات وثقة مؤسساتية، إلى أن أصبح سفيراً للمملكة.
لذلك، عندما يأتي اليوم من يريد إعطاء ساكنة العروي دروساً في الوفاء لـ«ابن المدينة»، فمن الطبيعي أن تفتح الذاكرة صفحاتها.
العروي لا تحتاج إلى من يحدد لها من هو ابنها ومن هو الغريب، ولا إلى إعادة إنتاج خطاب قبلي يقسم الناس. الانتخابات اختيار سياسي، ومن حق كل مواطن أن يصوت لمن يراه أصلح وأقوى وأكثر قدرة على حمل ملفات المنطقة والدفاع عنها، سواء كان من العروي أو من خارجها.
أما استعمال عبارة «ابن مدينتنا» كسلاح انتخابي، بعد سنوات من محاربة ابن المدينة نفسه عندما كان الخصم السياسي، فهو تناقض يستحق أن يوضع أمام الرأي العام.
التاريخ لا يُمحى، بل يبقى وشماً في ذاكرة الناس؛ يسجل من فعل خيراً ومن أساء، ومن حافظ على أخلاقه عندما كان قوياً، ومن احترم خصومه عندما خسر، ومن غيّر خطابه عندما تغيرت مصالحه.
قد نختلف مع مصطفى المنصوري، وقد ننتقد تجربته وحصيلته، لكن لا يمكن شطب مسار رجل كان رئيساً لجماعة، ورئيساً لمجلس إقليمي، ورئيساً لجهة، وبرلمانياً، ووزيراً، ورئيساً لحزب، ورئيساً لمجلس النواب، ثم سفيراً للمملكة المغربية.
وبعد مرور السنوات، تصبح الرؤية أوضح، ويسقط كثير من ضجيج اللحظة.
مصطفى المنصوري ابن العروي… ظلمه أهله وأنصفه الأجنبي، وبين 2015 واليوم يبقى التاريخ شاهداً. ومن يريد اليوم أن يعطي ساكنة العروي دروساً تحت شعار «ابن مدينتنا»، عليه أولاً أن يتذكر كيف تعامل بالأمس مع ابن المدينة عندما لم يكن في صفه السياسي.





Add your first comment to this post