9 غشت.. ذكرى معاهدة العروي التي صنعت واحدة من أكبر انتصارات المقاومة الريفية وتُركت للنسيان

مراسلة

9 غشت.. ذكرى معاهدة العروي التي صنعت واحدة من أكبر انتصارات المقاومة الريفية وتُركت للنسيان

كل سنة، تحل ذكرى معاهدة العروي في 9 غشت، وهي محطة بارزة في تاريخ المقاومة الريفية ضد الاحتلال الإسباني، وسط صمت لافت، وكأن هذا الحدث التاريخي لم يعد يحظى بما يستحقه من اهتمام واحتفاء داخل المدينة التي احتضنت أطواره.

ورغم الأهمية التاريخية لمعركة العروي وما ارتبط بها من أحداث مفصلية خلال سنة 1921، فإن هذه الذكرى تمر، سنة بعد أخرى، دون تنظيم فعاليات تليق بمكانتها، باستثناء احتفال وحيد نظمته، قبل عقود، الجمعية المتوسطية للبحر الأبيض المتوسط، والذي عرف حضور عدد من الوزراء والمثقفين والإسبان بمدينة العروي، قبل أن تختفي هذه المناسبة تدريجياً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

وتُعد معركة العروي، أو ما يعرف محلياً بـ**«لعاهد ؤ عاروي»**، من أبرز وأشرس المواجهات التي خاضتها المقاومة الريفية ضد القوات الإسبانية خلال غشت 1921، مباشرة بعد معركة أنوال التي شكلت بدورها ضربة قوية للجيش الإسباني.

فبعد الهزيمة التي مني بها الجيش الإسباني في معركة أنوال، لجأ عدد كبير من الجنود إلى مركز العروي، حيث التحقوا بالقوات الموجودة هناك، ليصل عدد المحاصرين، وفق روايات تاريخية، إلى نحو ثلاثة آلاف جندي، تحت قيادة الجنرال نافارو.

وفرضت المقاومة حصاراً على المركز، ما أدى إلى تدهور أوضاع القوات الإسبانية بسبب انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية. وأمام اشتداد الحصار، دخل الطرفان في مفاوضات انتهت باتفاق يقضي بانسحاب القوات الإسبانية من مركز العروي، قبل أن تتطور الأحداث بشكل مأساوي.

وفي 2 غشت 1921، استسلم الجنرال نافارو ومن معه، قبل أن تعرف المنطقة تطورات دامية في الأيام الموالية، حيث تحولت عملية الانسحاب إلى واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ الحرب الريفية، وسقط خلالها عدد كبير من الجنود الإسبان، فيما وقع آخرون في الأسر.

وقد شكلت هذه الأحداث انتصاراً عسكرياً مهماً للمقاومة في جنوب شرق الريف، ورسخت العروي باعتبارها واحدة من أبرز المواقع التي شهدت مواجهات حاسمة بين المقاومة والقوات الإسبانية.

غير أن هذا الانتصار فتح أيضاً نقاشاً تاريخياً وسياسياً حول مآلات المقاومة الريفية آنذاك، خصوصاً بشأن عدم استثمار هذا التفوق العسكري في اتجاه استرجاع مدينة مليلية.

وهنا تطرح أسئلة تاريخية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث الأكاديمي والوثائق، بعيداً عن الأحكام الجاهزة: لماذا لم يتم استثمار انهيار المراكز الإسبانية المحيطة بمليلية؟ وهل كان الأمر مرتبطاً بتباين الرؤى بين قيادات المقاومة؟ أم باختلاف طبيعة التحالفات والقبائل ومجالات نفوذها؟ أم أن ظروف المقاومة الداخلية والخلافات بين مختلف مكوناتها حالت دون توحيد الجهود؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن منطقة العروي كانت تقع ضمن المجال الترابي لقبائل شاركت بشكل مباشر في مقاومة الاحتلال، وفي مقدمتها آيث بويحيي، التي كان لها حضور بارز في أحداث تلك المرحلة.

وقد كانت المقاومة الريفية آنذاك تجمع قبائل متعددة، تختلف أحياناً في المصالح والرؤى وطرق التحرك، رغم توحدها في مواجهة الاحتلال الإسباني. وهو ما جعل بعض القبائل تتحرك بشكل مستقل، بعيداً عن أي قيادة مركزية موحدة، الأمر الذي يعكس تعقيد المشهد العسكري والسياسي الذي ميز تلك المرحلة.

ويشير المؤرخ الإسباني ريموند كار، في وصفه للأوضاع التي عاشتها مليلية ومحيطها عقب انهيار المواقع الإسبانية، إلى انهيار معنويات القوات الإسبانية والسكان، وإلى سقوط عدد من المراكز المحيطة بالمدينة، ومن بينها جبل العروي.

لكن هذا التفوق لم يستمر طويلاً، إذ تمكنت القوات الإسبانية من إعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى المواقع التي كانت قد انسحبت منها، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من العمليات العسكرية خلال سنة 1921، اتسمت بعنف شديد وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف سكان الريف والمقاومين.

ومع مرور السنوات، أصبحت أحداث العروي جزءاً مهماً من تاريخ المقاومة الريفية، غير أن حضورها في الذاكرة المحلية لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الحدث وأهميته.

فكيف لمدينة احتضنت واحدة من أبرز محطات المقاومة الريفية أن تمر ذكرى معاهدتها التاريخية كل عام دون ندوة، أو معرض، أو نشاط ثقافي، أو ملتقى علمي يعرف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم؟

إن إحياء ذكرى 9 غشت لا يعني تمجيد الحرب أو إعادة إنتاج الصراعات التاريخية، وإنما يعني ببساطة الاعتراف بأهمية الذاكرة المحلية، وتشجيع البحث التاريخي، وجمع الوثائق والروايات والشهادات المرتبطة بهذه المرحلة.

ولعل الوقت قد حان لكي تتحول ذكرى «لعاهد ؤ عاروي» من مناسبة تمر في صمت إلى محطة سنوية للبحث والنقاش والتعريف بتاريخ المدينة، بمشاركة المؤرخين والباحثين والجامعات والمجتمع المدني، خصوصاً وأن العروي تتوفر على رصيد تاريخي يمكن أن يشكل جزءاً مهماً من هويتها الثقافية.

وبينما تتغير المدن وتتوسع وتتجه نحو المستقبل، تبقى ذاكرتها التاريخية جزءاً من هويتها. والعروي، التي شهدت قبل أكثر من قرن أحداثاً غيرت موازين القوة في الريف خلال سنة 1921، تستحق أن تُروى قصتها للأجيال الجديدة، لا أن تبقى ذكرى 9 غشت مجرد تاريخ يمر كل عام دون أن يلتفت إليه أحد.

إقرأ أيضا

Add your first comment to this post

أخبار ذات صلة >