بقلم: عبد الكريم المومني المنسق الجهوي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشرق.
بداية، لا يسعنا إلا أن نعبر عن بالغ الاعتزاز والتقدير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الاستراتيجيةرافعة أساسية للنموذج التنموي المغربي، ومن جهة الشرق مجالا يحظى بعناية خاصة ضمن الأوراش الكبرى للمملكة.
كما نعبر عن اعتزازنا بالزيارة المولويةلصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وإشرافه على إعطاء انطلاقة العمليات الأولى للميناء، في لحظة تاريخية تحمل دلالات قوية على استمرارية الرؤية الملكية وآفاقها المستقبلية.
إن ميناء الناظور غرب المتوسط لا يمثل محطةاقتصادية بارزاة في تاريخ إقليم الناظوروجهة الشرق فحسب، بل يشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين الشباب والاقتصاد، والانتقال بهم من موقع انتظار فرص الشغل إلى موقع صناعة الفرص وخلق دينامية مجتمعية على مستوى إقليم الناظوربوجه خاص، وجهة الشرق بوجه عام.
إن المشاريع الاستراتيجية الكبرى ليست مجرد منشآت تقام على الأرض، ولا مجرد أرقام تضاف إلى مؤشرات الاستثمار والتنمية؛ فقيمتها الحقيقية تقاس بقدرتها على تغيير واقع المجتمعات، وإعادة تشكيل آفاقها الاقتصادية، وفتح مسارات جديدة أمام الأجيال الصاعدة. ومن هذا المنطلق،
وإذا كان هذا المشروع يجسد انتقالااستراتيجيا في موقع جهة الشرق ضمن الخريطة الاقتصادية الوطنية والدولية، فإن الرهان الأعمق الذي ينبغي أن نضعه في صلب النقاش العمومي هو: كيف يمكن أن يتحول هذا الورش الكبير إلى ديناميةاقتصادية جديدة يشارك الشباب في صناعتها، ويكونون من أبرز المستفيدين من ثمارها؟
في الحقيقة، لقد ارتبطت صورة التشغيل لدى فئات واسعة من الشباب، لسنوات طويلة، بانتظار منصب في القطاع العام أو البحث عن وظيفة في القطاع الخاص. ورغم مشروعية هذا الطموح، فإن التحولات الاقتصادية الجديدة تفرض توسيع مفهوم الاندماج المهني، والانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة المبادرة الاقتصادية والإنتاج والمقاولة.
وهنا تكمن إحدى أهم الفرص التي يتيحها ميناء الناظور غرب المتوسط؛ فهو لا يفتح المجال أمام وظائف مرتبطة بالنشاط المينائيوحده، بل يمكن أن يخلق منظومة اقتصادية واسعة تتفرع عنها أنشطة متعددة، تشمل النقل واللوجستيك والتخزين والصناعات التحويلية والخدمات التجارية والتكنولوجية والصيانة والتوريد والتصدير.
وهذا يعني أن فرص الشباب لن تكون محصورة في العمل داخل الميناء، بل ستمتد إلى محيط اقتصادي متكامل يمكن أن تنشأ فيه مقاولات جديدة، ومشاريع مبتكرة، وخدمات متخصصة، ومبادرات شبابية تستجيب للحاجيات التي ستفرزها هذه الدينامية.
إننا بحاجة اليوم إلى شباب لا ينتظرون أن تطرق فرص التنمية أبوابهم، بل يمتلكون المعرفة والجرأة والمهارات التي تمكنهم من اقتناص هذه الفرص وتحويلها إلى مشاريع منتجة.
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه جهة الشرق ليس غياب الطاقات البشرية أو محدودية الكفاءات، وإنما الحاجة إلى توفير البيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي تمكن هذه الطاقات من تحويل أفكارها إلى مشاريع قابلة للحياة والاستمرار.
ومن هنا، فإن ميناء الناظور غرب المتوسط ينبغي أن يشكل حافزاً لإطلاق جيل جديد من المبادرات المقاولاتية الشبابية، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، والخدمات اللوجستية، والتجارة الدولية، والتحول الرقمي، والصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد.
ولماذا لا نرى مستقبلاً مقاولات شبابية من الناظور والدريوش ووجدة وبركان وغيرها من أقاليم الجهة، تقدم خدماتها للمنظومة الاقتصادية للميناء؟ ولماذا لا تتحول الكفاءات الجامعية والتقنية إلى مشاريع ناشئة تستثمر في التكنولوجيا والابتكار والخدمات الرقمية؟ ولماذا لا يجد حاملو المشاريع الشباب فضاءات للمواكبة والتمويل والتأطير تمكنهم من الانتقال من الفكرة إلى الإنتاج؟
إن هذه الأسئلة ليست مجرد تطلعات نظرية، بل تعبر عن حاجة فعلية إلى بناء ثقافة اقتصادية جديدة، قوامها المبادرة والاستقلالية والإبداع والمشاركة في خلق القيمة المضافة.
وهنا نؤكد على فكرة محورية وهي أن أي مشروع استراتيجي، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع بمفرده تحقيق التحول التنموي المنشود ما لم تواكبه سياسات عمومية تستثمر في الإنسان باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تقتضي التفكير في إحداث منظومة متكاملة لتأهيل شباب جهة الشرق، من خلال تطوير التكوينات المهنية والجامعية المرتبطة بالمهن المينائيةواللوجستية والصناعية، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمية والجامعات والمقاولات، وإحداث آليات عملية لمواكبة المشاريع الشبابية وتمويلها.
كما أنه من الضروري التفكير في برامج خاصة لتشجيع المقاولات الناشئة، وتسهيل ولوج الشباب إلى العقار الاقتصادي والتمويل والمعلومة الاستثمارية، وتوفير فضاءات للاحتضان والتوجيه والتكوين المقاولاتي.
ولا يقل عن ذلك أهمية ضمان حضور الكفاءات المحلية في مختلف مراحل هذه الدينامية، حتى لا تتحول الجهة إلى مجرد مجال يحتضن الاستثمارات، بينما تأتي الخبرات والفرص الاقتصادية من خارجه.
فالتنمية الحقيقية لا تعني فقط أن تستثمر الشركات في المجال، بل أن يصبح أبناء المجال أنفسهم جزءاً من دورة الاستثمار والإنتاج والتدبير والابتكار.
إننا، من موقعنا كمنظمة شبابية، نؤمن بأن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من خطاب المطالبة بفرص الشغل إلى المساهمة في بناء شروط خلقها، ومن الاكتفاء بتشخيص الإكراهات إلى اقتراح المبادرات والبرامج التي تجعل الشباب شريكاً في التنمية.
ونؤكد أن شباب جهة الشرق لا تنقصهم الطموحات ولا الرغبة في العمل، وإنما يحتاجون إلى منظومة عادلة للفرص، وإلى مؤسسات تؤمن بقدراتهم، وتمنحهم إمكانات حقيقية للمبادرة والإنتاج.
إن طموحنا أن يصبح ميناء الناظور غرب المتوسط منطلقاً لظهور جيل جديد من المقاولين والمستثمرين الشباب، وأن تتحول جامعات ومعاهد ومراكز التكوين بالجهة إلى روافد للكفاءات التي ستقود هذه الدينامية، وأن تجد المبادرات المحلية طريقها إلى السوق الوطنية والدولية.
كما نطمح إلى أن تشمل هذه الديناميةمختلف أقاليم الجهة، حتى لا تظل ثمار المشروع محصورة في محيطه الجغرافي المباشر، بل تتحول إلى رافعة للتكامل الاقتصادي بين الناظور ومختلف مدن جهة الشرق خاصة، وجهات وطننا العزيز عامة.
إن ميناء الناظور غرب المتوسط يفتح أمام جهة الشرق أفقاً اقتصادياً جديداً، لكن القيمة الأعمق لهذا الأفق ستتحدد بمدى قدرتنا على تحويله إلى فرص حقيقية للشباب، وإلى ثقافة جديدة قوامها العمل والمبادرة والاستثمار والإنتاج.
ومن هذا المنطلق، نجدد عبارات الشكر والامتنان لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على العناية الملكية التي تحظى بها جهة الشرق، وعلى هذا المشروع الاستراتيجي الذي يفتح أمامها آفاقاً تنموية واعدة، كما نعبر عن اعتزازنا الكبير بالزيارة المولوية لصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن.
إننا أمام لحظة تاريخية ينبغي ألا نكتفي بالاحتفاء بها، بل علينا أن نحسن استثمارها، وأن نجعل منها بداية لتحول حقيقي في علاقة الشباب بالاقتصاد والتنمية.
فالميناء قد يفتح بوابة التجارة أمام العالم، لكن الشباب هم من يستطيعون فتح بوابة المستقبل أمام الجهة. والتنمية التي نطمح إليها ليست تلك التي تُنجز من أجل الشباب فقط، بل تلك التي تُنجز بالشباب وبمشاركتهم وطاقاتهم وأفكارهم.




