عمل كثير وضجيج قليل.. جمعية تعمل بصمت وتحمل حلماً كبيراً اسمه “تهيئة واد وزاج”
بعيداً عن ضجيج الشعارات والعمل الموسمي، استطاعت جمعية واد وزاج للبيئة والتنمية البشرية بمدينة العروي أن ترسم لنفسها مساراً خاصاً داخل النسيج الجمعوي المحلي، يقوم على الحضور الميداني والاستمرارية والترافع حول قضايا الحي والمدينة، إلى جانب الاشتغال على الجانب التربوي والاجتماعي والبيئي.
وبالعودة إلى أرشيف الأنشطة المنشورة، يتبين أن حضور الجمعية ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يمتد لسنوات. ففي سنة 2015، على سبيل المثال، كانت الجمعية منخرطة في تنظيم دروس الدعم والتقوية لفائدة تلاميذ المستويات الإشهادية، كما ورد اسمها ضمن الجمعيات التي كان المجلس الجماعي للعروي يتواصل معها في قضايا المجتمع المدني.
هذا النفس الطويل في العمل التربوي لم يتوقف، بل تحول مع مرور السنوات إلى واحدة من أبرز المبادرات التي ارتبطت باسم الجمعية. ففي سنة 2025 نظمت، بشراكة مع دار الشباب بالعروي، مرحلة جديدة من حملة الدعم التربوي المجاني للمقبلين على الامتحانات الإشهادية، بعدما استفاد أكثر من 300 تلميذ وتلميذة من المرحلة الأولى وحدها.
وفي حصيلة أوسع نُشرت خلال أكتوبر 2025، بلغ عدد المستفيدين من مبادرة الدعم التربوي المجاني أكثر من 2400 تلميذة وتلميذ، بمساهمة تطوعية لـ43 أستاذة وأستاذاً من مختلف الأسلاك التعليمية، وهي أرقام تعكس حجم العمل الذي باتت تقوم به المبادرة لفائدة أبناء المدينة والأسر، خصوصاً في مجال التعليم والدعم المدرسي.
ولم يقتصر نشاط الجمعية على تقديم الدروس، إذ دأبت أيضاً على تكريم الأساتذة المتطوعين والأطر التربوية والإدارية المحالة على التقاعد، في محاولة لترسيخ ثقافة الاعتراف بالعمل التطوعي وخدمة المدرسة العمومية. وقد وثقت تغطيات منشورة تنظيم حفل مماثل في أكتوبر 2024، بحضور ممثلين عن المجلس الجماعي وفعاليات محلية. (
بل إن تجربة الجمعية في الدعم التربوي أصبحت موضوعاً مطروحاً في المجال الأكاديمي؛ إذ تضمن برنامج ندوة علمية بالناظور سنة 2026 مداخلة بعنوان «المجتمع المدني ودوره في عمليات الدعم التربوي الإشهادي: جمعية واد وزاج للبيئة والتنمية البشرية بالعروي نموذجاً»، وهو ما يعكس انتقال التجربة من مجرد نشاط جمعوي محلي إلى نموذج قابل للدراسة والنقاش.
أما بيئياً، فيبقى واد وزاج في قلب اهتمامات الجمعية، بالنظر إلى ما يمثله هذا المجال من قضية قديمة بالنسبة للحي والمدينة. فأرشيف الصحافة المحلية يوثق منذ سنوات طويلة مشاكل الوادي وما ارتبط به من مخاطر الفيضانات والتلوث وتراكم النفايات، وهي إشكالات جعلت تهيئته مطلباً يتجاوز الجانب الجمالي إلى اعتبارات بيئية وعمرانية وحماية الساكنة.
ومن هنا ظل مشروع تهيئة واد وزاج واحداً من الأحلام والمطالب التي تترافع الجمعية بشأنها، أملاً في تحويل هذا المجال من نقطة مرتبطة بمشاكل بيئية وعمرانية إلى فضاء مهيأ يليق بالساكنة وبمدينة العروي. وهو ملف يحتاج إلى تدخل المؤسسات المختصة وتعبئة الإمكانيات اللازمة، بالنظر إلى حجمه وطبيعته.
وبالتوازي مع هذا الترافع، تواصل الجمعية، وفق المعطيات المحلية المتداولة حول أنشطتها الأخيرة، تنزيل مبادرات ميدانية بسيطة في إمكانياتها لكنها واضحة في أثرها، من بينها غرس الأشجار، والمساهمة في صباغة وتحسين بعض الواجهات، والاهتمام بالمحيط البيئي، إلى جانب مساعدة الساكنة والتفاعل مع عدد من قضاياها اليومية.
ويبدو أن فلسفة الجمعية تقوم على الجمع بين الترافع والعمل المباشر: المطالبة بالمشاريع الكبرى من جهة، وعدم انتظارها للقيام بما تسمح به الإمكانيات المتاحة من جهة أخرى. فالعمل البيئي يسير إلى جانب التعليم والتضامن والمواكبة الاجتماعية، بينما يظل الحضور الميداني والتواصل مع المواطنين جزءاً من نشاطها اليومي، كما يظهر أن الدعم العمومي المخصص للجمعية يظل محدوداً مقارنة باتساع مجالات تدخلها
إن تجربة جمعية واد وزاج تقدم صورة عن العمل الجمعوي الذي لا يُقاس فقط بعدد التظاهرات أو الصور المنشورة، وإنما بالاستمرارية والقدرة على البقاء قريباً من المواطنين. فمن دروس الدعم المجانية التي يعود توثيقها إلى أكثر من عقد، وصولاً إلى المبادرات البيئية والاجتماعية الحالية، ظل اسم الجمعية حاضراً في عدد من الملفات المحلية.
ويبقى الرهان الأكبر الذي تحمله الجمعية هو أن ترى يوماً مشروع تهيئة واد وزاج يتحول من مطلب وترافع وحلم طال انتظاره إلى مشروع قائم على أرض الواقع، بما ينهي جزءاً من معاناة المنطقة ويمنح هذا الفضاء وجهاً جديداً.
وفي انتظار ذلك، تستمر الجمعية في عملها اليومي؛ غرس شجرة هنا، دعم تلميذ هناك، مساعدة أسرة أو مواطن، تحسين فضاء، وطرق أبواب المؤسسات من أجل ملف أكبر. أعمال قد لا يصاحبها الكثير من الضجيج، لكنها تراكم، سنة بعد أخرى، حضوراً ميدانياً عنوانه: العمل في صمت وخدمة المدينة بالفعل قبل القول.



