قاعدة بيانات عالمية جديدة تفتح الباب لدراسة تطور الأمواج قبالة سواحل شمال المغرب منذ 1992
كشفت أبحاث أكاديمية دولية حديثة عن تطوير آلية رقمية وعلمية متقدمة تتيح للباحثين والخبراء إعادة بناء المسار التاريخي لارتفاع الأمواج البحرية على الصعيد العالمي، خلال فترة تمتد من أكتوبر 1992 إلى نهاية سنة 2023، في خطوة من شأنها توفير أرضية جديدة لدراسة مناخ الأمواج وتغيراته على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
وجرى الكشف عن تفاصيل هذا الإنجاز العلمي يوم 16 شتنبر الجاري عبر مجلة متخصصة في علوم بيانات نظام الأرض، حيث توفر القاعدة الجديدة معطيات يمكن استثمارها في دراسة السلاسل الزمنية للأمواج بمختلف المناطق البحرية، ومن بينها الواجهتان الأطلسية والمتوسطية للمغرب.
ورغم أن الدراسة لا تقدم خلاصات جاهزة تخص مدناً مغربية بعينها، ولا تحسم في ما إذا كانت الأمواج قبالة السواحل الشمالية للمملكة قد سجلت اتجاهاً تصاعدياً أو تناقصياً خلال العقود الماضية، فإن البيانات المتاحة تفتح المجال أمام الباحثين لاستخراج وتحليل المعطيات المتعلقة بالخلايا البحرية القريبة من طنجة وأصيلة والعرائش، إلى جانب المضيق والحسيمة على الواجهة المتوسطية.
وتكتسي هذه الإمكانية أهمية خاصة بالنسبة لشمال المغرب، بالنظر إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي لطنجة ومضيق جبل طارق، حيث تلتقي التأثيرات البحرية للمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ما يوفر مجالاً مهماً للمقارنة بين الخصائص الديناميكية للأمواج على الواجهتين.
ويمكن للباحثين، بالاعتماد على هذه البيانات، تتبع الأشهر والفصول الأكثر اضطراباً، ورصد الأمواج العاتية والقيم القصوى المسجلة، ثم مقارنة النتائج بالسجلات التاريخية المتعلقة بإغلاق الموانئ والحوادث البحرية والأضرار التي تعرضت لها المنشآت والبنيات التحتية الساحلية.
واعتمد الباحثان اللذان طورا قاعدة البيانات على الجمع بين مصدرين أساسيين للمعلومات، أولهما القياسات التي توفرها أجهزة مثبتة على متن الأقمار الاصطناعية، وثانيهما المحاكاة العددية لحالة البحر باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة.
وتتميز القياسات الفضائية بدرجة عالية من الدقة، لكنها لا توفر تغطية متواصلة لكل نقطة بحرية بسبب المسارات المدارية للأقمار الاصطناعية والفترات الزمنية الفاصلة بين مرور وآخر، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى عدم التقاط الذروة الفعلية للأمواج أثناء العواصف السريعة.
في المقابل، توفر النماذج العددية تغطية مكانية وزمنية أكثر استمرارية، غير أن نتائجها تتأثر بدقة بيانات الرياح والمعادلات والفرضيات المستخدمة في محاكاة حركة البحر.
وللتغلب على هذه الإشكالية، قام الباحثان بدمج المصدرين، من خلال الاستعانة بالنموذج العددي لملء الفراغات الزمنية والمكانية، ثم تصحيح النتائج بالاعتماد على القياسات الفضائية المتاحة، ليتم في النهاية إنتاج شبكة عالمية منتظمة بدقة مكانية تبلغ نصف درجة جغرافية، مع بيانات متجددة كل ثلاث ساعات.
وأفرز العمل نسختين من البيانات؛ تعتمد الأولى على دمج معطيات قمرين اصطناعيين في كل مرحلة زمنية للحفاظ على قدر أكبر من التجانس عند دراسة الاتجاهات المناخية طويلة المدى، بينما تستفيد الثانية من أكبر عدد ممكن من الأقمار المتاحة بهدف تحسين التغطية المكانية والزمنية.
وأظهرت الاختبارات الإحصائية أن الجمع بين القياسات الفضائية والنماذج العددية ساهم في خفض الأخطاء وتحسين الارتباط بالقياسات الفعلية مقارنة باستخدام النماذج وحدها، خصوصاً عند اختبار النتائج مقابل بيانات العوامات البحرية.
وتبرز أهمية هذه القاعدة كذلك في دراسة الأمواج القصوى والعواصف البحرية، إذ إن القياسات الفضائية المتقطعة قد لا تلتقط دائماً اللحظة التي تصل فيها الأمواج إلى أعلى مستوياتها، وهو ما قد يؤدي إلى التقليل من تقدير بعض القيم القصوى.
وبالنسبة للمغرب، تتيح هذه البيانات إمكانية إنجاز دراسات حول المعدلات الشهرية والسنوية لارتفاع الأمواج، ورصد القيم القصوى وعدد المرات التي تتجاوز فيها الأمواج عتبات معينة، بما يسمح بفهم أفضل لطبيعة الاضطرابات البحرية خلال فصلي الخريف والشتاء وانعكاساتها المحتملة على الملاحة والأنشطة الساحلية.
غير أن الدراسة تضع قيوداً واضحة أمام الاستخدام المحلي المباشر لهذه المعطيات. فالدقة المكانية البالغة نصف درجة تعني أن كل خلية تغطي مساحة بحرية واسعة، وبالتالي لا يمكن استخدامها بمفردها لتوصيف حركة الأمواج داخل أحواض موانئ طنجة المتوسط أو طنجة المدينة أو الحسيمة، كما لا ترصد بالتفصيل تأثير الحواجز المينائية والتضاريس القاعية والخلجان والمناطق القريبة جداً من الساحل.
كما لا ينبغي الاعتماد على هذه القاعدة وحدها في التصميم الهندسي للمنشآت الساحلية أو في اتخاذ قرارات الإنذار المبكر، بل يتطلب ذلك بيانات محلية أكثر دقة وقياسات ميدانية ونماذج عالية الدقة.
ومع ذلك، تشكل القاعدة الجديدة أرضية علمية مهمة يمكن للباحثين والمؤسسات المغربية البناء عليها، من خلال استخراج البيانات الخاصة بالمياه المحاذية للسواحل الوطنية ومقارنتها بسجلات الأرصاد الجوية والموانئ والحوادث البحرية، بما يساعد مستقبلاً على تكوين صورة أكثر دقة عن مناخ الأمواج وتطوره وتأثيراته على السواحل المغربية.





Add your first comment to this post