رحيل الشيخ المربي سيدي جمال الدين البودشيشي… حين يختبر الموت صدق القلوب وأدب الاختلاف
برحيل الشيخ المربي الجليل سيدي جمال الدين البودشيشي، فقدت الأمة واحداً من الربانيين الذين جمعوا بين صفاء الروح وصدق الكلمة، وبين العلم والتربية، فكان منارة هداية للنفوس، وبلسماً لجراح القلوب. لم يكن حضوره مقتصراً على مجالس الذكر أو حلقات التربية الروحية، بل كان أثره ممتداً إلى حياة مريديه ومحبّيه، بما غرسه فيهم من قيم الصدق، والرحمة، وحب الخير.
لكن الموجع أن رحيل مثل هذه القامات لا يوقف نزيف الألسنة التي اعتادت الطعن، حتى في وجوه من رحلوا وتركوا وراءهم إرثاً من النور. وكأن الموت، الذي من المفترض أن يوقف الخصومة ويستدعي الرحمة، صار في أعين بعضهم فرصة لفتح ملفات الجدال وتصفية الحسابات. هذا السلوك لا يطعن في الراحل بقدر ما يكشف ضيق القلب وفقر الروح عند من يمارسه.
إن احترام الرأي واحترام اختيارات الآخرين ليس مجرد شعار مثالي، بل هو امتحان حقيقي لأخلاقنا، يتجلى بوضوح عند لحظات الفقد. فمن يختلف مع الشيخ، أو مع طريقته، كان يمكنه أن يحتفظ برأيه في حياته، لكن الموت يفرض حرمة مضاعفة، تقتضي كفّ الأذى وحفظ اللسان، وترك الناس يودّعون أحبتهم بسلام.
لقد علّمنا الشيخ البودشيشي أن التربية الروحية لا تنحصر في الأوراد والأذكار، بل تشمل تهذيب النفس عن الغل والحقد، وحمل الناس على الخير ولو اختلفت معهم في الطريق. واليوم، بعد رحيله، يبقى إرثه الأخلاقي أكبر ردّ على كل من أراد أن يقلل من شأنه أو يشوّه صورته.
رحم الله الشيخ المربي، وجعل علمه وعمله شفيعين له، وحفظ فينا ما ربّى عليه من قيم الصفاء والمحبة، وجعلنا جميعاً أوسع صدراً في خلافاتنا، وأصدق وفاءً مع من سبقونا إلى الدار الآخرة







Add your first comment to this post