د. نجيم مزيان: هدر الكفاءات في الإدارة المغربية… غياب الاستراتيجية وتغول المحسوبية يُعطل الاستثمار الأمثل في الرأسمال البشري
بقلم: د. نجيم مزيان
دكتور في الحقوق
خريج مختبر الحكامة والتنمية المستدامة – سطات
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المغرب على المستويات المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، لا تزال الإدارة العمومية تعاني من أعطاب بنيوية، يأتي على رأسها ضعف تدبير الموارد البشرية وغياب رؤية استراتيجية واضحة لاستثمار الكفاءات بشكل أمثل.
لقد أثبتت التجربة أن نجاح أي إدارة في تنزيل سياساتها يظل رهينًا بمدى قدرتها على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بمعنى اختيار الموظف الكفء وتعيينه في الوظيفة التي تتلاءم ومؤهلاته وقدراته. فالإدارة لا تنجح فقط بالقوانين والميزانيات، بل أساساً بالعنصر البشري المؤهل. غير أن الواقع الميداني يكشف أن هذا المبدأ لا يزال بعيدًا عن التحقق داخل العديد من الإدارات المغربية.
يرتبط أحد أبرز أسباب هذا الخلل باستمرار منطق الزبونية والمحسوبية في التوظيف والترقي، حيث تُمنح المناصب في كثير من الأحيان بناءً على الولاءات السياسية أو القرابات العائلية، لا على أساس الكفاءة والاستحقاق. ولعل الأدهى من ذلك أن هذه الممارسات تجد غطاءً قانونيًا أو شكليًا من خلال نصوص متقادمة، كتلك التي يتضمنها النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية لسنة 1958، والذي رغم تعديله عدة مرات، لا يزال عاجزاً عن مواكبة التحديات الراهنة.
من جهة أخرى، يظل التوظيف في الوظيفة العمومية خاضعًا لمنطق تقليدي يركز على المؤهل الدراسي بدل الكفاءة الحقيقية. فالمباريات الحالية، رغم تنامي عددها، لا تتيح التقييم الدقيق لقدرات المترشحين، ولا تستجيب لحاجيات الإدارة من حيث التخصصات والمواصفات الدقيقة المطلوبة. فيتم انتقاء الموظفين بناءً على تخصصات الجامعات لا على احتياجات المؤسسات.
كما أن تدبير الموارد البشرية يتم غالباً بمنطق إحصائي شكلي، دون اعتماد التحليل التوقعي للوظائف أو وضع دليل مرجعي للكفاءات يوضح الحاجيات الحقيقية للإدارة من حيث القدرات والمهارات. والنتيجة هي هدر مهول للطاقات، وتهميش للكفاءات التي يمكن أن تُحدث الفارق في تجويد الخدمة العمومية وتحقيق النجاعة المؤسساتية.
الأكثر مدعاة للقلق، أن معايير تعيين المسؤولين داخل الإدارة تعتمد في كثير من الحالات على الأقدمية والدرجة فقط، دون أي تقييم موضوعي للكفاءة أو المؤهلات القيادية، وهو ما يسمح باستمرار منطق الولاء السياسي على حساب المهنية، ويجعل من مقابلات الانتقاء مجرد إجراء شكلي يفتقر للشفافية ويكرّس الفساد الإداري.
إن تجاوز هذا الواقع المؤلم يفرض اعتماد إصلاح جذري لمنظومة تدبير الموارد البشرية، يقوم على عدة مرتكزات:
وضع دليل مرجعي للكفاءات والوظائف يُعتمد عليه في التوظيف والترقية والتكوين؛
مراجعة معايير اختيار المسؤولين داخل الإدارة وفق منطق الكفاءة لا الولاء؛
اعتماد آليات رقابية فعالة لمناهضة الزبونية والمحسوبية؛
تحديث النصوص القانونية لتواكب رهانات الحكامة والتحديث الإداري؛
دمقرطة الولوج إلى الوظيفة العمومية وجعل مبدأ الاستحقاق أساس كل مسار مهني.
إن الإدارة العمومية، بقدر ما تُعتبر ركيزة أساسية لتنزيل السياسات العمومية، فهي أيضاً مرآة تعكس مدى احترام الدولة لمبادئ الشفافية والعدالة والمساواة. ولن يتحقق ذلك إلا باستثمار أمثل للرأسمال البشري، الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي أمة تطمح للتقدم والازدهار





Add your first comment to this post