ثورة الملك والشعب.. 20 غشت ذكرى وطنية تختزل مسار المقاومة وتلاحم العرش والشعب
تخلّد المملكة المغربية، في 20 غشت من كل سنة، ذكرى ثورة الملك والشعب، التي تعد واحدة من أبرز المحطات في التاريخ الوطني، لما جسدته من تلاحم بين العرش والشعب في مواجهة الاستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية والهوية المغربية.
ويرى خبراء في التاريخ أن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يختزل فقط في يوم نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، باعتبار أن ذلك التاريخ شكّل محطة مفصلية ضمن مسار طويل من المقاومة الوطنية التي سبقت هذا الحدث، قبل أن تتخذ بعده أبعاداً شعبية أوسع انتهت باستقلال المغرب وعودة الملك إلى أرض الوطن.
وفي هذا السياق، أوضح محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن اختزال ثورة الملك والشعب في يوم 20 غشت 1953 لا يعكس حقيقة المسار التاريخي للمقاومة المغربية، مؤكداً أن هذا التاريخ لم يكن بداية الثورة، وإنما شكّل نقطة تحول نقلت المقاومة الوطنية إلى مرحلة أكثر تصعيداً.
وأشار الطيار إلى أن المقاومة المغربية كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، من خلال الحركة الوطنية والعمل السياسي والفكري والمظاهرات والاحتجاجات والعمليات المسلحة، وصولاً إلى المطالبة بالاستقلال، في وقت أصبح فيه السلطان محمد الخامس رمزاً للسيادة الوطنية ورفض الخضوع لإرادة سلطات الحماية.
وأوضح أن المغاربة أدركوا أن الدفاع عن الملك لم يكن دفاعاً عن شخص، بقدر ما كان دفاعاً عن رمز للسيادة الوطنية ووحدة البلاد، وهو ما جعل محاولة سلطات الحماية إبعاد السلطان عن شعبه تأتي بنتيجة عكسية.
فبعد نفي محمد الخامس، في 20 غشت 1953، تحولت الخطوة الاستعمارية إلى عامل تعبئة وطنية واسعة، وأصبح مطلب عودة الملك مرتبطاً بشكل مباشر بمطلب استقلال المغرب، لتتداخل بذلك شعارات عودة الملك وتحرير الوطن.
وأكد الخبير أن المقاومة بعد نفي الملك لم تعد تقتصر على العمل السياسي والاحتجاجات، بل انتقلت إلى المقاومة السرية والعمليات الفدائية ثم المقاومة المسلحة، لتتسع المواجهة وتشمل فئات مختلفة من المجتمع المغربي.
وبذلك أصبح 20 غشت محطة فاصلة بين مرحلة من تراكم المقاومة الوطنية ومرحلة جديدة من الثورة الشعبية المفتوحة ضد الاستعمار، قبل أن تتوج بعودة السلطان محمد الخامس إلى أرض الوطن وانطلاق مرحلة جديدة من بناء الدولة المغربية المستقلة.
ويرى الطيار أن عودة الملك لم تكن نهاية الثورة بمعناها العميق، وإنما مثلت انتقالاً إلى مرحلة جديدة؛ فإذا كانت المرحلة الأولى قد ارتبطت بمقاومة الاحتلال واستعادة السيادة، فإن المرحلة التالية أصبحت مرتبطة ببناء الدولة وترسيخ الاستقلال وتحقيق التنمية والدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية.
من مقاومة الاحتلال إلى بناء القوة الوطنية
وفي قراءة للذكرى في سياقها الراهن، اعتبر الخبير أن استمرار روح ثورة الملك والشعب لا يعني استمرار المقاومة بالشكل العسكري الذي عرفته فترة الاستعمار، وإنما يعني مواصلة القيم الوطنية التي قامت عليها، من خلال حماية السيادة الوطنية وتقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز الاقتصاد والاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا، وتقوية الجبهة الداخلية.
وأضاف أن طبيعة التحديات تغيرت، غير أن جوهر المعركة الوطنية ظل مرتبطاً بالدفاع عن القرار الوطني وحماية مصالح المغرب وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات والتحديات الدولية.
وتبقى ذكرى 20 غشت، وفق هذه القراءة، أكثر من مجرد محطة تاريخية، باعتبارها مناسبة لاستحضار تضحيات المقاومة الوطنية واستلهام قيم التضامن والتلاحم الوطني، وربط الذاكرة التاريخية بمسؤولية الحاضر في بناء مغرب قوي وقادر على صناعة مستقبله.
وهكذا، فإن ثورة الملك والشعب انتقلت، تاريخياً، من مواجهة الاحتلال واستعادة الاستقلال إلى معركة بناء الدولة وترسيخ السيادة، لتظل قيمها حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها إحدى المحطات التي جسدت قوة التلاحم بين العرش والشعب في الدفاع عن الوطن.




Add your first comment to this post