نزوح جماعي من «الحمامة» بالعروي.. هل تستعد إحدى أكبر قلاع الأحرار بالناظور لعقاب انتخابي مدوٍّ؟
يبدو أن المشهد السياسي بمدينة العروي، إحدى أبرز القواعد الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم الناظور، بدأ يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: اتساع رقعة النفور السياسي وتصاعد مؤشرات النزوح الانتخابي.
فما كان إلى وقت قريب مجرد حديث يدور في الصالونات المغلقة واللقاءات الخاصة، بدأ يظهر تدريجياً إلى العلن، من خلال تحركات سياسية وميدانية توحي بأن جزءاً مهماً من الفاعلين والمنتخبين والأعيان والناشطين الذين كانوا محسوبين على «الحمامة» باتوا يعيدون ترتيب أوراقهم، وسط حديث متزايد عن دعم حزب الأصالة والمعاصرة ومرشحه محمد المومني.
واللافت في هذا التحول أن النقاش لم يعد مقتصراً على خلافات داخلية أو اختلافات في وجهات النظر، بل أصبح مرتبطاً، وفق ما يتداول محلياً، بشعور متنامٍ لدى عدد من أبناء العروي والجماعات المجاورة بأن المنطقة لم تنل، خلال السنوات الماضية، ما تعتبره حقاً مشروعاً من الاهتمام والتواصل السياسي والإنصات لمطالب الساكنة.
المشهد الذي بدأ يفرض نفسه بقوة هو انتقال عدد من الوجوه والمنتخبين والفعاليات من محيط «الحمامة» نحو «الجرار»، في خطوة تحمل أكثر من مجرد حساب انتخابي عابر.
فحين تبدأ شخصيات وفعاليات كانت جزءاً من قواعد حزب معين في إعادة تموضعها قبل أسابيع قليلة من الاستحقاقات التشريعية، فإن الأمر يستحق القراءة باعتباره مؤشراً على وجود خلل سياسي حقيقي داخل القاعدة الانتخابية، وليس مجرد حركة عادية تسبق الانتخابات.
ويزداد وقع هذا التحول عندما يتعلق الأمر بمدينة العروي، التي ظلت لسنوات واحدة من أهم خزانات الأصوات بالنسبة للتجمع الوطني للأحرار بإقليم الناظور.
وحسب ما يتردد بقوة في الأوساط المحلية، فإن هناك استعداداً متزايداً لدعم محمد المومني باعتباره، في نظر مؤيديه، أحد أبناء المنطقة الذين يمتلكون حظوظاً جدية للمنافسة على مقعد برلماني، وهو ما جعل اسمه يتحول إلى نقطة تجمع لعدد من الأصوات والفعاليات الباحثة عن بديل انتخابي.
المسألة الأخطر بالنسبة للأحرار لا تكمن فقط في انتقال بعض الأشخاص أو الأسماء، وإنما في إمكانية تحول حالة التذمر إلى تصويت عقابي جماعي.
فالانتخابات لا تُحسم دائماً بالخطابات والشعارات، وإنما بالثقة المتراكمة خلال سنوات. وعندما يشعر المواطن بأن الحزب الذي منحه صوته لم يعد يسمعه أو يتواصل معه بالشكل المطلوب، فإن صندوق الاقتراع قد يتحول إلى الوسيلة الأكثر وضوحاً للتعبير عن الغضب.
وفي العروي، يبدو أن هذا النقاش أخذ منحى أكثر حدة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية، إذ يتردد حديث واسع عن رغبة جزء من الناخبين في توجيه رسالة سياسية واضحة عبر صناديق الاقتراع.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض المحسوبين على الحزب الحاكم “حاليا” ينهجون لغة التصعيد، بدل مراجعة الاختيارات والاستماع إلى أسباب الغضب، قد تكون ساهمت في تعميق الشرخ بدل احتوائه.
من يقرأ المشهد السياسي بالعروي بمنطق الأرقام فقط قد يقع في خطأ كبير، العروي، وما جاورها من جماعات، ليست مجرد خزان انتخابي يمكن استدعاؤه موسمياً ثم العودة إلى تجاهله بعد انتهاء الانتخابات. إنها منطقة لها حساسيتها السياسية والاجتماعية، ولها نخبها وفاعلوها وشبابها، ولها ذاكرة انتخابية تجعل أبناءها شديدي الانتباه إلى طريقة تعامل الأحزاب معهم.
ولهذا، فإن الرسالة التي قد تخرج من صناديق الاقتراع لن تكون بالضرورة مرتبطة بشخص أو حزب فقط، بل قد تكون تعبيراً عن موقف من طريقة تدبير العلاقة بين المنتخب والمواطن، وبين الحزب وقواعده المحلية.
فالناس، كما يقال، لا تنسى من وقف معها، ولا تنسى أيضاً من تجاهلها.
وفي منطقة يعرف أهلها بحساسية كبيرة تجاه الكرامة والاعتبار والاحترام، فإن محاولة تلقين المواطنين «الدروس» أو التعامل معهم بمنطق الوصاية السياسية قد تكون نتائجها عكسية تماماً.
فالدرس الحقيقي لا يُلقى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا عبر التصريحات النارية، ولا عبر تبادل الاتهامات.
وإذا صحت المعطيات المتداولة حول اتساع دائرة النزوح من «الحمامة» نحو «الجرار»، فإن الانتخابات المقبلة قد تكشف حجم الشرخ الحقيقي داخل إحدى أهم القواعد الانتخابية للأحرار بإقليم الناظور.
وفي نهاية المطاف، يبقى الناخب هو صاحب الكلمة الفصل. فمن أراد أن يلقن أبناء العروي الدروس عبر الخطابات والتصريحات، عليه أن يتذكر أن أبناء المنطقة يمتلكون بدورهم وسيلة دستورية وحاسمة للرد: ورقة التصويت.




Add your first comment to this post