ريبورطاج : مغارة إفري نعمار بأفسو… كنز أثري عمره 170 ألف سنة ينتظر التثمين وطريق مهترئة تعرقل اكتشافه

في قلب جبال الريف الشرقي، وعلى بعد كيلومترات قليلة من جماعة أفسو بإقليم الناظور، تختبئ واحدة من أهم المغارات الأثرية في المغرب وشمال إفريقيا، إنها مغارة إفري نعمار، الموقع الذي كشف للعلماء عن آثار تعود إلى آلاف السنين من تاريخ الإنسان القديم.
اسم “إفري” في اللغة الأمازيغية يعني المغارة أو الكهف، وهي تسمية تنطبق تمامًا على هذا المكان الطبيعي الذي تحول مع مرور الزمن إلى كنز علمي وأثري مهم، بعدما كشفت الحفريات عن دلائل على استقرار الإنسان في المنطقة منذ أزمنة سحيقة.
تشير الدراسات الأثرية إلى أن مغارة إفري نعمار تحتوي على طبقات تاريخية تعود إلى أكثر من 170 ألف سنة، وهو ما يجعلها من أقدم مواقع استقرار الإنسان في شمال إفريقيا. وقد أظهرت الأبحاث الأركيولوجية أن الموقع يضم بقايا حضارات ما قبل التاريخ، من بينها الحضارة العَتيرية، والحضارة الإيبيرومورية، إضافة إلى آثار تعود إلى العصر الحجري الحديث.
وخلال عمليات التنقيب، تمكن الباحثون من العثور على أدوات حجرية كان الإنسان القديم يستعملها في الصيد وقطع اللحوم، إلى جانب رؤوس رماح وأدوات لمعالجة الجلود، فضلاً عن أصداف بحرية استُعملت كحلي وزينة، وهو ما يدل على وجود مظاهر حياة اجتماعية وثقافية لدى الإنسان في تلك الحقبة البعيدة.
عرفت المغارة عدة حملات تنقيب علمية أشرف عليها باحثون من المغرب وألمانيا، بتعاون مع المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث والمعهد الألماني للأركيولوجيا. وقد أسفرت هذه الأبحاث عن اكتشاف عدد كبير من اللقى الأثرية التي تم نقلها إلى المختبرات والمتاحف من أجل دراستها والحفاظ عليها.
وساهمت هذه الاكتشافات في توسيع فهم العلماء لتطور الإنسان القديم في منطقة الريف، كما أكدت أن هذه المنطقة كانت مأهولة منذ عصور ما قبل التاريخ.
ورغم أهميتها العلمية والتاريخية الكبيرة، لا تزال مغارة إفري نعمار غير معروفة بالشكل الكافي لدى عامة الناس، كما لم يتم استثمارها بعد كموقع سياحي وأثري يمكن أن يساهم في تنمية المنطقة والتعريف بتاريخها العريق.
وتطالب فعاليات المجتمع المدني بمنطقة الريف بإعادة تأهيل وتثمين التراث التاريخي بالمنطقة، وتوفير البنيات التحتية الضرورية التي تساعد على جذب الباحثين والمهتمين بالسياحة التاريخية والثقافية، فضلاً عن تنظيم زيارات ميدانية لتلاميذ المؤسسات التعليمية للاطلاع على جزء مهم من تاريخ المنطقة.
كما تدعو هذه الفعاليات إلى بذل جهود أكبر لحماية التراث الأثري الغني الذي تزخر به منطقة الريف، والعمل على تسريع إجراءات تسجيل المواقع الأثرية المميزة ضمن لائحة التراث الوطني وربما العالمي مستقبلاً.
في المقابل، يشتكي سكان المنطقة من الحالة المتدهورة للطريق المؤدية إلى موقع المغارة، خاصة الطريق التي تربط إفري نعمار بدواوير أولاد محند، الناصريين وأكنيون، والتي تعاني من اهتراء واضح يجعل التنقل صعباً ويزيد من عزلة الساكنة.
ويرى متتبعون أن إصلاح هذه الطريق أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لفك العزلة عن السكان، بل أيضاً لفتح المجال أمام تنمية السياحة الثقافية والأثرية بالمنطقة، خصوصاً وأن الموقع يمتلك مؤهلات كبيرة ليصبح وجهة للباحثين والزوار المهتمين بتاريخ الإنسان القديم.






Add your first comment to this post