حرب إيران وإغلاق هرمز يرفعان أسعار الطاقة.. هل أضاع إغلاق أنبوب الغاز عبر المغرب “فرصة ذهبية” للجزائر؟
في الوقت الذي تعيش فيه أسواق الطاقة العالمية على وقع اضطرابات غير مسبوقة بسبب الحرب الدائرة في إيران وإغلاق مضيق هرمز، تجد الجزائر نفسها في قلب معادلة اقتصادية معقدة تجمع بين المكاسب الظرفية والخسائر الاستراتيجية. فبينما تقفز أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، يطرح متابعون تساؤلات جدية حول “الفرص الضائعة” نتيجة استمرار إغلاق أنبوب غاز المغرب العربي – أوروبا (GME) الذي كان يربط الحقول الجزائرية بإسبانيا عبر الأراضي المغربية.
منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير 2026، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً صاروخياً تجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل، بينما سجلت أسعار الغاز الطبيعي المسال (LNG) زيادات قياسية قُدّرت بأكثر من 140%، بعد تعطل الإمدادات القادمة من الخليج نتيجة توقف الملاحة في مضيق هرمز.
هذا التطور وضع أوروبا في حالة استنفار قصوى، خصوصاً دول جنوب القارة، وعلى رأسها إسبانيا والبرتغال، اللتان تعتمد بنيتهما الطاقية بشكل كبير على الغاز المستورد، ما جعل البحث عن بدائل عاجلة ضرورة استراتيجية.
ورغم أن الجزائر كانت من بين الدول المستفيدة من ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً، إلا أن محللين اقتصاديين يرون أن قرار إغلاق أنبوب الغاز المغرب العربي – أوروبا بشكل “نهائي ودائم” حرمها من فرصة تاريخية لتعظيم الأرباح خلال ظرفية استثنائية لم تشهدها الأسواق منذ عقود.
فحسب هؤلاء، فإن الأزمة الحالية كشفت محدودية البنية التصديرية الجزائرية نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، التي كانت في مقدمة الأسواق الأوروبية طلباً للغاز في هذه المرحلة الحرجة.
يعتمد تصدير الغاز الجزائري إلى إسبانيا حالياً أساساً على أنبوب “ميدغاز” البحري، الذي تبلغ سعته القصوى حوالي 10.5 مليار متر مكعب سنوياً. غير أن خروج أنبوب GME من الخدمة، والذي كانت طاقته تصل إلى 12 مليار متر مكعب، قلّص هامش المناورة بشكل كبير.
وبذلك فقدت الجزائر إمكانية ضخ كميات إضافية ضخمة كانت ستجد سوقاً أوروبية متعطشة ومستعدة لشراء الغاز بأثمان مرتفعة جداً، خصوصاً في ظل غياب الإمدادات الخليجية.
ولتعويض هذا النقص، لجأت الجزائر إلى الاعتماد أكثر على ناقلات الغاز الطبيعي المسال. غير أن الحرب رفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، مما أدى إلى تآكل هوامش الربح مقارنة بالنقل عبر الأنابيب البرية، الذي يعد الأرخص والأكثر استقراراً في العالم.
ويؤكد خبراء أن كل متر مكعب يتم تصديره عبر الأنابيب يمثل أرباحاً أعلى مقارنة بالغاز المسال، الذي يتطلب عمليات تسييل وتخزين ونقل ثم إعادة تحويل، وهي سلسلة مكلفة تتضاعف تكلفتها في زمن النزاعات الدولية.
وتزامناً مع محدودية القدرة التصديرية الجزائرية، شهدت السوق الإسبانية والبرتغالية تحولات لافتة، حيث استطاعت شركات أمريكية ونرويجية تعزيز حضورها لتغطية جزء من الفراغ الناتج عن توقف الإمدادات الخليجية.
ويرى متابعون أن الجزائر، رغم موقعها الجغرافي القريب، لم تتمكن من الاستحواذ على كامل الفرصة بسبب “السقف التقني” الذي فرضته اختيارات سياسية سابقة.
تشير تقديرات خبراء إلى أن الجزائر كانت قادرة على رفع إيراداتها من الغاز بنسبة تتراوح بين 15% و20% لو كان أنبوب المغرب العربي – أوروبا يعمل بكامل طاقته خلال هذه الظرفية الاستثنائية.
وحسب محلل دولي في شؤون الطاقة، فإن الجزائر اليوم تصدر بكامل طاقتها المتاحة عبر ميدغاز والناقلات، غير أن قدرتها على الاستفادة القصوى من الأسعار الحالية تبقى محدودة، وهو ما يقلل من حجم العملة الصعبة التي كان يمكن تحصيلها لتعزيز احتياطي البلاد ومواجهة الضغوط الاقتصادية الداخلية.
ولتجاوز هذه الإكراهات، كثفت الجزائر من ضخ الغاز نحو أوروبا عبر أنبوب “ترانسميد” المار بتونس في اتجاه إيطاليا، في محاولة لجعل روما منصة محورية لتوزيع الغاز الجزائري داخل الاتحاد الأوروبي.
غير أن هذا الخيار لا يخلو من تحديات، إذ إن البنية التحتية الأوروبية لا تزال غير قادرة على الربط السلس بين شبكات الغاز في شرق أوروبا وغربها، ما يجعل إيطاليا غير قادرة وحدها على تعويض الدور الاستراتيجي الذي كانت تلعبه إسبانيا كممر نحو أسواق متعددة.
وبينما تستفيد الخزينة الجزائرية من الارتفاع العام في أسعار النفط والغاز، فإن أزمة الحرب وإغلاق مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة سؤالاً حساساً حول تكلفة الخيارات السياسية في ميزان الاقتصاد.
فبالنسبة لعدد من المراقبين، فإن إغلاق أنبوب الغاز عبر المغرب لم يكن مجرد قرار تقني أو دبلوماسي، بل تحول إلى عامل اقتصادي مكلف حرم الجزائر من “طفرة تاريخية” كان يمكن أن تجعلها المورد الأول والوحيد لشبه الجزيرة الإيبيرية في زمن الحرب.
وفي ظل استمرار الأزمة العالمية، تبدو الجزائر رابحة على مستوى الأسعار، لكنها خاسرة على مستوى المرونة التصديرية، وهو ما يجعل ملف أنبوب الغاز المغاربي يعود مجدداً كواحد من أبرز العناوين التي تفرض نفسها على طاولة النقاش الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة

Add your first comment to this post