العروي.. مدينة تحتفظ بدموع التاريخ وذكريات المجد الريفي وحين امتزجت المأساة بالعشق في رسالة جندي محاصر

العروي.. مدينة تحتفظ بدموع التاريخ وذكريات المجد الريفي وحين امتزجت المأساة بالعشق في رسالة جندي محاصر

العروي.. مدينة تحتفظ بدموع التاريخ وذكريات المجد الريفي وحين امتزجت المأساة بالعشق في رسالة جندي محاصر

تظل مدينة العروي، الواقعة على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً من مليلية، شاهدة على فصول من التاريخ العميق الذي ما زال يبوح بأسراره بين الحين والآخر. في ربيع سنة 2012، عرفت المنطقة اكتشافاً مثيراً في موقع الحامية العسكرية الإسبانية القديمة بجبل العروي، حين عُثر خلال حفريات أثرية على جسم محنط لجندي إسباني، ظل مدفوناً تحت تراب الزمن لما يقارب القرن من الزمن.

لم يكن الجسد وحده ما استوقف الباحثين الأركيولوجيين والأنثروبولوجيين، بل ما عُثر عليه من أمتعة شخصية لازالت محتفظة بجزء من ملامحها الأصلية بفعل الظروف المناخية القاسية للموقع. من بين تلك الأغراض: علبة جلدية بملصق معدني نُقش عليه حرفا “P.G”، وصورة فتاة شابة، وقطعة نقدية فضية تحمل صورة الملك ألفونسو الثالث عشر، ورسالة طويلة مكتوبة بخط أنيق، ما زالت في حالة جيدة.

تشير كل الدلائل إلى أن صاحب هذه الرسالة كان أحد ضحايا ما يسميه الإسبان بـ “كارثة جبل العروي” (El Desastre del Monte Arruit)، وهي المعركة الدامية التي اندلعت يوم 9 غشت 1921، حين حاصر المجاهدون الريفيون الحامية الإسبانية المتمركزة بجبل العروي، المكونة من أكثر من 3000 جندي، قُتل أغلبهم، ولم ينجُ سوى نحو 60 فقط. كانت تلك المعركة إحدى أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ العسكري الإسباني بإفريقيا، وفي المقابل لحظة بطولية خالدة في الذاكرة الريفية المغربية.

لكن أكثر ما أثار مشاعر الباحثين كان مضمون الرسالة التي وجدوها بين مقتنيات الجندي. على غلافها كتب بخط مرتجف:

“أخي في السلاح، إذا قرأت هذا فأعلم أني في عداد الموتى… أرجوك أن توصل هذه الرسالة إلى ماريا (…) في مالقة، شارع (…) والديها مانولو وأنطونيا.”

الرسالة، المؤرخة بـ 8 غشت 1921، تحكي بصدق نادر تفاصيل الساعات الأخيرة قبل سقوط الحامية. كتب الجندي الإسباني بيدرو إلى حبيبته ماريا يخبرها عن العطش والجوع واليأس الذي خيم على زملائه، عن الخوف من النهاية، وعن حبٍّ ظلّ شعاعه آخر ما تمسّك به قبل الموت. في سطورها المبللة بالدموع كتب:

“لم أفكر يوماً أن أكتب هذه الرسالة، لكن الخطر يحيط بنا من كل جانب. الريفيون يقتربون، لا طعام، لا دواء، ولا أمل في المدد من مليلية… إننا نعيش نهاية لا مفر منها. لكني أكتب إليك، يا ماريا، لأن حبك هو آخر ما يمنحني القوة لأتنفس.”

ثم يسترسل في حديثه عن لقائه الأول بها، وعن فستانها الأزرق وابتسامتها التي “أضاءت عتمة حياته”، قبل أن يختم برسالة وداع مؤثرة:

“إذا وصلتك هذه الرسالة، فاعلمي أني رحلت. لا تحزني، وعيشي سعيدة… سأكون معك في كل لحظة، وسأحبك دائماً. من جنديك الصغير، بيدرو.”

إنها رسالة من قلب المأساة، توثق لحظة إنسانية وسط أهوال الحرب، وتعيد إحياء ذاكرة جبل العروي الذي كان مسرحاً لبطولات وتضحيات ومآسٍ غيرت وجه التاريخ في شمال المغرب.

اليوم، بعد مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث، لا تزال العروي تختزن في ترابها أسراراً من زمن المقاومة، وتجسد رمزية عميقة بين الألم والكرامة، بين المأساة الإنسانية والنصر الوطني.

هكذا تظل العروي أكثر من مدينة… إنها ذاكرة ملهمة تحكي للعالم أن هذه الأرض كانت دائماً مسرحاً للتاريخ، وللبطولة، وللحب أيضاً

مقالات مشابهة

Add your first comment to this post