قرارات الترحيل الأوروبية والمغاربة… أرقام مرتفعة وتنفيذ ضعيف يكشف تعقيدات ملف الهجرة

الأخبار55 - مراسلة

قرارات الترحيل الأوروبية والمغاربة… أرقام مرتفعة وتنفيذ ضعيف يكشف تعقيدات ملف الهجرة

في وقت تتصاعد فيه النقاشات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تشديد سياسات الهجرة وضبط الحدود، كشفت معطيات رسمية صادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” أن دول الاتحاد أصدرت، خلال الربع الثالث من السنة الجارية، ما مجموعه 6.670 قرارًا بمغادرة التراب الأوروبي في حق مواطنين مغاربة، وهو ما يمثل حوالي 5,8 في المائة من إجمالي أوامر الترحيل المسجلة خلال الفترة نفسها.

ورغم تسجيل تراجع طفيف في هذه الأرقام مقارنة بالفترات السابقة، يظل المغاربة ضمن أكثر الجنسيات التي تستهدفها قرارات الإبعاد، إلى جانب الجزائريين، في سياق أوروبي يسعى إلى الحد من الهجرة غير النظامية وإعادة رسم سياساته الحدودية وفق مقاربات أكثر تشددًا.

غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، تخفي خلفها واقعًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في ضعف تنفيذ قرارات الترحيل على أرض الواقع. فبحسب معطيات تداولتها وسائل إعلام مغربية وأوروبية، لا تتجاوز نسبة تنفيذ هذه القرارات في صفوف المغاربة 10 في المائة خلال السنوات الأخيرة، بل لم تتعدَّ 8 في المائة سنة 2023، ما يعكس فجوة كبيرة بين القرارات الصادرة والتنزيل الفعلي لها.

وفي هذا السياق، نقلت صحف إسبانية اعتراف السلطات في مدريد بوجود صعوبات حقيقية في التعاون مع الرباط بخصوص تنفيذ عمليات الإعادة، مشيرة إلى عوامل متعددة، من بينها تعقيدات التحقق من الهوية، وطول المساطر القانونية، فضلًا عن اعتبارات سياسية ودبلوماسية تتحكم في هذا الملف الحساس.

وبينما تذهب بعض المنابر الإعلامية الإسبانية إلى تصوير الوضع باعتباره “نقصًا في التعاون” من الجانب المغربي، يرى مراقبون بالمغرب أن القضية أبعد من منطق القبول أو الرفض، إذ تتعلق بملف سيادي تحكمه القوانين الوطنية والالتزامات الحقوقية، فضلًا عن توازنات إقليمية دقيقة. كما يؤكد هؤلاء أن المغرب لا يُعد فقط “بلد عبور”، بل شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي في محاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ولا يمكن قراءة هذه المعطيات بمعزل عن بعدين متداخلين: بعد إنساني يرتبط بآلاف المهاجرين في وضعيات هشّة تستوجب احترام الضمانات القانونية وحقوق الإنسان في أي عملية إعادة، وبعد سياسي–دبلوماسي تدير من خلاله الرباط ملف الهجرة بمنطق الشراكة المتوازنة، رافضة تحويله إلى ورقة ضغط أو أداة توظيف سياسي، كما يحدث أحيانًا في النقاشات الداخلية ببعض الدول الأوروبية.

في المقابل، يدرك الاتحاد الأوروبي أن المغرب يظل فاعلًا محوريًا في استقرار المنطقة وضبط تدفقات الهجرة، وأنه يتحمل أعباء كبيرة، أمنية واجتماعية، في هذا المجال. ومن ثم، فإن معالجة هذا الإشكال لا يمكن أن تتم عبر تبادل الاتهامات، بل من خلال مقاربة مشتركة تقوم على الدعم والتفاهم وتقاسم المسؤوليات.

ويؤكد ملف الهجرة، مرة أخرى، أنه ليس مجرد أرقام أو تقارير إحصائية، بل قضية مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والإنسانية والأمنية، حيث تبحث أوروبا عن تشديد سياساتها، وتسعى إسبانيا إلى التوفيق بين ضغوطها الداخلية وعلاقاتها مع الرباط، بينما يرسّخ المغرب موقعه كشريك لا يمكن تجاوزه، دون التفريط في سيادته أو في مبادئ الكرامة وحقوق الإنسان

إقرأ أيضا

Add your first comment to this post

تابعنا على >>