فشل ذريع للتدبير المفوض بالعروي… سنوات من العبث بالنظافة مقابل بارقة أمل بتدبير جماعي رغم الإكراهات
عرفت مدينة العروي لسنوات طويلة تجربة مريرة مع التدبير المفوض لقطاع النظافة، تجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها مشروع فاشل بكل المقاييس، خلّف وراءه تراكمات خطيرة على مستوى البيئة، والصحة العامة، ,دون أن يرقى إلى الحد الأدنى من الالتزامات التي يفترض أن تتحملها الشركات المفوض لها هذا المرفق الحيوي.
فالشركة التي تولت تدبير قطاع النظافة بالعروي لعدة سنوات، تحولت إلى عنوان للفوضى وسوء التدبير، حيث عاشت المدينة على وقع اختلالات لا تُحصى ولا تُعد: شوارع وأزقة تغرق في الأزبال، غياب احترام دورات الجمع، ضعف كبير في الأسطول والموارد البشرية، وانعدام أي رؤية لتحسين الخدمة، ما جعل المواطن العروِي يؤدي الثمن يومياً في صمت.
ولم تكن العروي استثناءً، بل إن عدة جماعات بإقليم الناظور التي اختارت خيار التدبير المفوض تعيش اليوم نفس المأزق، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية، حيث يتضاعف الضغط السكاني وترتفع كمية النفايات بشكل مهول، في مقابل عجز واضح للشركات المفوض لها عن مجاراة هذا الواقع، مما يكشف محدودية هذا النموذج وفشله في تلبية حاجيات الجماعات.
وفي مفارقة لافتة، وبعد إنهاء مرحلة التدبير المفوض، وجدت جماعة العروي نفسها أمام تحدٍ حقيقي لتدبير هذا المرفق بشكل مباشر، ورغم الإكراهات الواضحة والنقص المسجل أحياناً خلال فترات الضغط، إلا أن المقارنة الموضوعية تُظهر أن التدبير الجماعي الحالي يبقى أكثر نجاعة وأقرب لانتظارات الساكنة من التجارب السابقة، سواء بالعروي أو بباقي الجماعات التي لا تزال رهينة التدبير المفوض.
وقد باشرت الجماعة خلال الفترة الأخيرة مجهودات ملموسة، من خلال اقتناء شاحنات جديدة وآليات حديثة لتعزيز أسطول النظافة، والاعتماد بشكل أكبر على العمل الميكانيكي، ما يمنحها هامشاً حقيقياً لتجاوز الإكراهات المرحلية والتغلب على عدد من الإشكالات البنيوية التي راكمها التدبير المفوض لسنوات.
إن ما تعيشه العروي اليوم يؤكد أن التدبير المفوض، بصيغته الحالية، لم يكن سوى وهم تسويقي، انتهى إلى فشل ذريع، فيما يثبت التدبير الجماعي، رغم محدودية الإمكانيات، أنه خيار واقعي قابل للتطوير والتحسين، إذا ما توفرت الإرادة والموارد.
كما أن الكلفة المالية الباهظة التي يفرضها خيار التدبير المفوض تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية جماعة العروي، إذ إن المبالغ الضخمة التي تُؤدى سنوياً لفائدة الشركة المفوض لها من شأنها أن تُدخل ميزانية الجماعة في عجز حقيقي، وتحدّ من قدرتها على تمويل مشاريع تنموية أخرى أكثر إلحاحاً.
وعلى النقيض من ذلك، يتيح التدبير الذاتي تحكماً أفضل في النفقات وترشيداً حقيقياً للموارد، مع استثمار مباشر في العتاد والبنية التحتية التي تبقى ملكاً للجماعة.
ويُطرح في هذا السياق سؤال جوهري: ما مصير أسطول الجماعة من الشاحنات والآليات؟ وأين سيذهب هذا الاستثمار العمومي في حال العودة إلى التدبير المفوض؟ ثم ماذا عن العمال الرسميين المشتغلين بقطاع النظافة، الذين راكموا تجربة ميدانية وأصبحوا جزءاً من المنظومة؟
هل سيتم تهميشهم أم الإبقاء عليهم دون مهام واضحة، في مفارقة تبرز مرة أخرى غياب الرؤية في هذا الخيار، مقابل نموذج التدبير الذاتي الذي يضمن استمرارية العمل، وحفظ مناصب الشغل، وحماية المال العام.
وعليه، فإن الرهان المستقبلي على إعادة التدبير المفوض بمدينة العروي يُعد مغامرة غير محسوبة العواقب، وتجربة أثبت الواقع أنها محكوم عليها بالفشل، ما يستدعي استخلاص الدروس ووضع مصلحة الساكنة فوق أي اعتبارات أخرى

Add your first comment to this post