العروي تختنق بلا وقاية مدنية.. عشرون سنة من الوعود وحريق الامس يعيد طرح السؤال المؤلم: إلى متى؟
أعادت الحادثة التي شهدتها مدينة العروي امس الاربعاء، والتي أودت بحياة شخص تأثيرا بالدخان الدي استنشقه، إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً بالمدينة، والمتمثل في غياب مركز للوقاية المدنية رغم مرور أزيد من عشرين سنة على المطالب المتكررة بإحداثه.
هذه الحادثة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من الوقائع التي تؤكد الحاجة الملحة إلى مركز للوقاية المدنية بمدينة العروي، المدينة التي تعرف توسعاً عمرانياً وديمغرافياً متواصلاً، وتحتضن مطاراً دولياً وتعتبر من أهم المراكز الحضرية بإقليم الناظور، ومع ذلك ما تزال محرومة من مرفق حيوي من هذا الحجم.
وعلى الرغم من الخطوات العملية التي قامت بها جماعة العروي خلال السنوات الأخيرة، فإن المشروع لا يزال حبيس الرفوف. فقد وفرت الجماعة العقار اللازم لإنجاز المركز، كما رصدت دعماً مالياً يناهز 150 مليون سنتيم للمساهمة في البناء، بل وأكدت خلال اجتماعات رسمية استعدادها لرفع قيمة هذا الدعم إذا كان ذلك سيساهم في إخراج المشروع إلى حيز الوجود.
وقبل حوالي شهرين فقط، تم التوقيع على محضر واتفاق مع مصالح الوقاية المدنية، التزمت بموجبه الجماعة بتوفير العقار والمساهمة المالية. وبعد إلغاء البقعة الأولى لأسباب تقنية وإدارية، حلت لجنة مختصة بعين المكان واختارت بقعة أرضية جديدة تقع خلف المسبح المغطى بمدينة العروي، وهي بقعة مملوكة للجماعة ولا تطرح أي إشكال عقاري، وتم توثيق ذلك بمحضر رسمي بحضور مختلف الأطراف المعنية.
غير أن الواقع يؤكد أن كل هذه الإجراءات ظلت دون تفعيل حقيقي، ما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب التأخير المتواصل، وحول مدى وجود إرادة فعلية لدى الجهات المركزية الوصية على قطاع الوقاية المدنية لإنجاز هذا المشروع الذي تنتظره الساكنة منذ عقود.
وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بحوادث السير والحرائق. ففي غياب مركز للوقاية المدنية بالعروي، تضطر سيارات الإسعاف التابعة للجماعة إلى نقل المصابين والجرحى نحو المستشفيات، رغم أن هذه المهمة تتطلب أطراً وعناصر مدربة ومؤهلة وفق المعايير المعمول بها في مجال الإسعاف والإنقاذ. ورغم المجهودات الكبيرة التي يبذلها سائقو سيارات الإسعاف الجماعية، فإنهم يجدون أنفسهم أمام مسؤوليات تفوق اختصاصاتهم وإمكانياتهم.
كما أن الاعتماد على الوسائل المتمركزة بسلوان لا يشكل حلاً دائماً، فالمركز الموجود هناك يعد فضاءً للتخزين والإسناد الإقليمي أكثر منه مركزاً مستقلاً مخصصاً للعروي، وهو ما يجعل تدخل سيارات الإطفاء والإسعاف يتأثر أحياناً بعامل المسافة والازدحام المروري، الأمر الذي قد يكون حاسماً في إنقاذ الأرواح والممتلكات.
إن الحادثة الأخيرة أعادت التذكير بحقيقة لا يمكن تجاهلها: مدينة بحجم العروي لم يعد مقبولاً أن تستمر بدون مركز للوقاية المدنية. فالعقار متوفر، والدعم المالي مرصود، والساكنة تنتظر، فيما يبقى السؤال معلقاً منذ أكثر من عقدين: من يعرقل إخراج هذا المشروع إلى الوجود؟ وإلى متى ستظل أرواح المواطنين رهينة التأجيل والتسويف
وبعيداً عن أي مزايدات أو حسابات سياسية ضيقة، فإن الوقائع على الأرض تؤكد أن جماعة العروي استنفدت تقريباً كل ما يمكن أن تقدمه من أجل إخراج مشروع مركز الوقاية المدنية إلى حيز الوجود. فقد وفرت العقار، ورصدت دعماً مالياً مهماً، وأبدت استعدادها لرفع مساهمتها كلما اقتضت الضرورة ذلك. غير أن الطرف الحاسم في هذا الملف يبقى الإدارة المركزية للوقاية المدنية، التي يبدو أنها لا تتوفر إلى حدود الساعة على الإرادة الكافية لتسريع إنجاز المشروع، إذ إنه في كل مرة يتم تجاوز عقبة معينة تظهر عراقيل جديدة تؤدي إلى استمرار التأخير.
كما أن التباهي بوجود سيارات إسعاف وإطفاء متمركزة بسلوان لا يعكس حقيقة الوضع القائم، لأن الموقع المذكور يظل في الأصل مركزاً للتخزين والإسناد الإقليمي، وليس مركزاً مستقلاً للوقاية المدنية مخصصاً لمدينة العروي. والدليل على ذلك أن الجزء الأكبر من التدخلات المرتبطة بحوادث السير داخل المدينة وضواحيها تتكفل به سيارات الإسعاف التابعة للجماعة. ومن غير المقبول أن تظل مدينة بحجم العروي، بما تمثله من كثافة سكانية وحركية اقتصادية واحتضانها لمطار دولي، تعتمد على وسائل الجماعة لنقل ضحايا الحوادث، وكأن الأمر يتعلق بجماعة قروية صغيرة تفتقر إلى أبسط التجهيزات الأساسية. إن هذا الوضع الشاذ لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، ويستدعي قراراً حاسماً من الجهات المختصة لوضع حد لمعاناة استمرت لأكثر من عشرين سنة







Add your first comment to this post